الكاتبة التونسية . نورة عبيد
متابعة ايمان مليتي
ليس أقسى من عيش على حذر . ذاك الدّرس الحاصل من التعايش مع فيروس الكورونا . وذاك الحذر أتى على الحجر والوبر والبشر!
أعيش برغبات مؤجّلة وصبوات موعودة ولقاءات مرجوّة ورعب لا ينتظر التّأجيل . فإذا حقّ الحقّ ما عساي أفعل سواء كنت أنا الآفلة أو غيري؟ أعيش الحجر الصحيّ التّامّ ومنع الجولان حتّى طوى داري خبر، لذت به إلى التّأجيل ، حصص الحقّ وزوج عمّتي الوحيدة لبّى نداء الخالق ،ولم نستقدم ساعة و لم نستأخر!
كيف الخروج من مدينة نابل إلى قريتي “حارة الشّعراء” ؟ كيف أعبر ثمانين كيلومترا؟ كيف أصل عمّتي الوحيدة؟ كيف أضمّها وهي المقطوعة من شجرتها فلا أمّ أو أب أو أخت أو أخ؟ فأبي الوحيد توفيّ منذ اثنيْ عشر سنة .وحتّى شجرتها الفتيّة أبناؤها بعدُ أغصانا طريّة! عليّ بلوغ وجهها والنظر بعينيها . وهل سأحترم مسافة الأمان ؟هل سيحترم المعزّون إن وجدوا التباعد الاجتماعيّ؟ وهل سيكرم الميّت ويدفن في ظروف عاديّة؟ مسكين لن يُودّع الوداع الذي ألفه أهل القريّة ، فهم يحسنون المشي في الجنازات ،ويحرصون على صلاة الجنازة ويحثّون النسوة على سكب دموع الرّحمة. هل سيحدث ذلك؟
هرعت إلى أقرب مركز أمن أسترخص التنقل من المدينة إلى القرية .وحصل دون عراقيل .ولم يشدّد عون الشرطة إلاّ على العدد ،فيجب ألاّ يكون بسيارتي إلاّ اثنين! ونحن اثنان بطبعنا ؛أنا وزوجي . حرصت على الكمامتيْن ،ومع اعتراضي على التسميّة التي اتّخذتها وزارة الصّحّة بدت لي التسميّة تليق بهذا الفيروس ،كمامة تُسْتَعْمَل للحيوان بينما لثام يطلق على ما يستعمل الإنسان ،وهذا الفيروس يحتاج حاجزا أقوى و أشدّ عزلا ،فكأنّ لفظ الكمامة وحده الأفضل عزلا وأشدّه! لاح منزل عمّتي قبل خطوات من بلوغه ضاجّا بالصّمت ،لا دبيب في أرجائه .لا شيء يخبر أنّه منزل الفقيد ؛الرّجال المتجمّعون بالخارج والأطفال الذين يجوبون محيطه والنشيج المتعالي من حين إلى آخر كأنّ هذه العلامات المفقودة مرغوبة! أخرجني من بحثي عن هذه الإشارات صوت زوجي الجادّ يخبرني بضرورة احترام بروتوكول الوقاية من فيروس الكورونا ؛ التباعد و الكمامة وعدم التّسليم . كرّر ذلك أكثر من مرّة .سبحان الله كم كان يوبّخني لأنّي لم أسلّم على فلان ،ولم أبد تسليما محترما لفلان وينتهي بتذكيري مرّات أنّني باردة المشاعر تجاه البشر الذين يستحقّون أن نسلّم عليهم بحرارة واحترام ليشعروا بتضامننا معهم وبتقاسمنا ذات المنزلة من الشوق والاحترام . بلغت فناء الدّار ، فاستقبلتني آيات من القرآن تقطع الصمت ،وأبواب غرف مشرّعة ،وبعض الوجوه الغائرة أو المتورّمة .وجوه لا أعرفها من الجارات وصبايا العائلة .لم تظهر إلاّ الكمامات ورديّة وزرقاء وبيضاء . لوّحت بعضهنّ بأطراف أصابع اليد اليمنى ، ازددت توغّلا بين الغرف فوجدت جمال ابن عمّتي الأصغر بالبهو منتصبا أمام باب الغرفة الكبيرة فعلمت أنّ مراسم الغسل ساريّة …بحثت عن عمّتي ،سمعت صوتا يشير عليّ بمكانها .كانت بغرفة صغيرة ضيّقة متطرّفة ،وجدتها جالسة وسط حلقة من لداتها في تباعد ، كانت أختي بينهن . رفعت منديلا من على فمها ،نظرت في عينيها فإذا بهما متورّمتان ككجّتين من لهب .لا أدري كيف سقطت الكمامة وكيف احتضنتها وقبّلتها طويلا من وجنتين حاميتيْن باردتيْن ! شهقت أختي وانزعجت الحاضرات من هذا الخرق الصّحيّ .قلت في سبات :”إنّها عمّتي”. سرى الحزن العاديّ في أوصالي وأوصالها .وشعرت بدمي ودمها يتحدّان في المواساة واعتياد الغياب. كأنّها قالت لي ،بل قالت رحمة الله على أبيك وأمّك .وكأنّي رأيت وجه الجميل أبي وهيأة ناجيّة أمّي يبتسمان ويباركان اختراقي لقواعد التباعد .فأنا لا أعرف الحزن عن بعد وما أحببت عمّتي عن بعد. كنت أسنحضر دائما انحناءة ظهرها المتعب ووجها الضاحك وشدّة البأس الذي عليه تنطوي سريرتها. مضيت إلى غرفة أخرى وتركتها لشدّتها تداري ما تبقى من الساعات قبل تشييع جثمان صاحبها. لم أكن حديثة عهد بالجنازات ، فقد تكسّرت نصال الدّهر على عظمي الطريّ .وودّعت جذوعي ؛أجدادي وربّييْ الصّغيريْن .وبات الحديث عن الموت أشبه بالحديث عن قصص ألف ليلة وليلة ،فيه الحنين والأنين ولذّة استشراف النهايات. الغرفة التي أجلس فيها الآن صحيّة جدّا .ثلاثة أنفار يتناوبون على سرد الخبر .طبيب القرية جبان رفض القدوم إلى المنزل ليشهد بوفاة “رحيم” جبان خائف من الفيروس، لعلّه قال أهل بدو ،لن يحترموا التباعد وبروتكول النظافة .شكرا لليحياوي( طبيب بمدينة الهواريّة) قدم وقد كان مرتديا قناعا واقيا ،وبارك الله فيه يسّر التّعجيل بإكرام “رحيم ” واستكمل الأهل باقي المراسيم .الحمد لله لم يعطّل الأمن حفر القبر ،فلمّا عاينوا المنزل والتثبّت في هويّة المتوفي ،عجّلوا بإتمام مراسم الجنازة في ظروف شبه عاديّة .وأوصوا باحترام تطبيق القانون؛ فلا مجال لحمل الجثة إلى الجامع أو السّير به على الأقدام إلى المقبرة …وشدّدوا على احترام العدد الاقلّ قدر الإمكان. وممّا سمعت لا مزيّة في هذا التسهيل فالمنطقة ليست بؤرة فيروس ولم يسجّل بها أيّة حالة أو اشتباه بحالة… نسيتهن وسلوت عن الإنصات إليهن ،وفكّرت كيف يصبح الموت أرحم من فيروس كورونا؟ كيف يصبح القبر المثوى الأخير أقرب حدث مشتهى قبل أن يطرأ أيّ طارئ ويتغيّر الحديث .فكم من أفراد العائلة تعذّر عليهم الحضور بسبب الإجراءات المتّخذة من طرف الدولة توقيّا من عدوى فيروس كورونا .كيف يتحوّل الموت رحمة والتشييع مقتا؟ كيف يتحوّل الموت في غياب المعزّين بؤسا؟ اكتشفت أنّ البؤس أشدّ من الموت! بات الموت حقّا رحيما .والميّت محظوظ إن عجّت روائح غسله من غرفته وداره ،والكره كلّ الكره والضيم كلّ الضيم في البقاء دونه! تبّا للفيروس مغيّر الأحوال والأبدان.مانع الحزن العادي مبتدع الحزن الصّحيّ ! يا لله من أرملة !يا فقد الأعزّاء! واحزناه! يتقاطر الوقت ويتباعد ومن شدّة حرص القائمين على الدّفن ،اختلط الرجال بالنّساء فيما تبقّى من وقت لرفع الجثّة إلى الصّندوق .ردّدت كلّ الأفواه أدعية الوداع سرّا وجهرا ،ولا أحد أبعد أنثى أو قرّب ذكرا. كأنّ كلّ ما كان من طقوس تباعد جندريّ وهم ! كأنّ ضجّة الحزن وهم ! كأنّ الموت فصل آخر من فصول الحياة يمرّر في أمان ! فكيف ضجّت المناحات وصخبت الجنازات ؟ ها هو الخوف من الفيروس والعدوى يختزل كلّ الرّزايا ،يهمّش تفاصيل الحزن وطقوسه .ويعرّي وجها أصمّ أبكم ،ولا همّ غير التعجيل بترك الدّار لصاحبة الدّار بعد أن فسدت حياة صاحب الدّار! هذه دار العاجلة ترتدي ثياب الآجلة في وجل من تأخير تسليم الأمانة لمثواها الأخير. تحوّل الدّفن وموضعه إلى نعمة النعم .من أدرانا أنّنا سندفن دفنا عاديّا؟ من أدرانا أنّنا سنكرم بغسل وكفن عاديّ؟ هل سنموت موتة عاديّة؟ اللّهم لا تمتنا موتة الكورونا !….ثمّ ترتفع الأيادي ماسحة على الوجوه “اللهم آمين” مضى الموت إلى مقامه .وعاد الرّجال وقد أكرموا “رحيم” .فات الوقت ولن يتّسع للعودة إلى نابل قبل موعد منع الجولان .فألفيتني أعتذر من أختي لأبيت حذوها .وقد حدث في كنف التباعد والتّشديد على مسافة الأمان .وأمضت السّهرة تتوعّدني بأن تخبر زوجي بأنّني سلّمت على عمّتي !
ما أقسى التّباعد الجسديّ رغم شعورنا بالألفة الرّوحية بين الأهل والأصدقاء والأدباء والشعراء فلا أقلّ من أن” أحنّط ظلّي بطين الكلام” خوفا من ” ضمائر الطوفان”…في رحلة سيريّة شعريّة ،” محروسة بالغيم، بالأغنيات ، وبالرُّؤى” ، علّ ” سلرى سيرة الألواح المنسيّة ” ، سلوى الرابحي ” الصوت الذي ترى صداه في ارتجاف الأرض بأسرها” يرمي عصاه في بحر السيدة “ك”…
الكاتبة التّونسيّة نورة عبيد